القارئ والغموض الشِّعري
التأويل، حسب -دريدا- "ينتج معاني لا حصر لها".
والتأويل:"تفسير النَّص، وبحث معناه، وتخريج قواعده، وترجمتها إلى لغةٍ ثانية وثالثة".
هناكَ قراءتين للنَّص: قراءة ساذجة، وقراءة مركَّبة.
يقول -هيرش- " أنَّ القراءة فن يخضع لموهبة الفرد ولتجربتهِ وثقافتهِ. ولكن إذا كانت القراءة ترتبط بالحدس فإنَّ الحدس يخضع للعوامل الفردية".
إنَّ النَّصَ فضاءٌ مفتوح، يخلق علاقة تبادلية بينهُ وبين القارئ. فهناكَ من يسعى إلى القراءة الأولى للنَّص مكتفيًا بما وصل إليهِ من معتقداتٍ، وهناك قراءة واعية تغوص في تركيبةِ النَّص وتسبحُ في طيَّاتهِ حتَّى تُعرِّيه.
بمعنى أنَّ الشَّاعر لا يفترض أو يتخيَّل -بكلِّ الأحوال-، قارئًا ما ليُعبِّر عن مستوى فهمهِ، لأنَّ العقول والأفكار والتجارب لا تتشابه. بل إنَّني أكادُ أُجزمُ أنَّ الشَّاعرَ الذي يفترضُ نوعيَّةً معيَّنةً من القرَّاء مستوى ثقافتهم مُحدَّدًا مُسبقًا هو شاعرٌ فاشلٌ.
فلا يُمكنني كشاعرٍ أن أُقرِّرَ من الذي سوف يقرأني.
إذ كيف يُمكنني أن أحدِّدَ مستوى فهم قارئٍ ما، وأنا أدركُ أن الثقافة ليست متساوية؟ كيف أمتنع عن استخدام الرمز أو تطعيم النَّص ببعضِ الغموض لأنَّ هناكَ من يحكم أنَّ من يتَّبع ذلك سيقطع صلته بالقارئ وبالنَّقد؟! على أيِّ أساسٍ تمَّ وضع تلك الافتراضات؟
الشَّاعر المجيد يُحاول أن يكتب بشخصيتهِ هو لا بشخصيةِ قارئ مُعيِّن. بمعنى أنَّني لن أفترض أبدًا نوعية القرَّاء الذين سيقرأوني وإلاَّ حكمتُ على نصوصي بالإعدام!
كيف أفصِّل كتاباتي على أمزجةِ من يقرأني؟
الشَّاعر يُحاول أن يَكتب لجميع القرَّاء. لا يلتفت بشكلٍ جذري إلى ثقافة القارئ وهذا لا يعني عدم الاهتمام بهِ. ولكن لأنَّهُ يعلم جيِّدًا أنَّ جميع القرَّاء لن يتناولوا نصَّهُ بنفسِ الدرجةِ من الفهم.
ولكن يبدو أنَّ الكسل الفكري الذي يمتاز بهِ القارئ العادي هو ما يجعلنا نُكرِّرُ بعض الافتراضات الغير صحيحة. فالقارئ لا يريد أن يُجهد عقلهُ في فهمِ ما يقرأ، يريد أن يصلهُ المعنى بكلِّ بساطةٍ ووضوحٍ وربَّما ببعض السذاجة! والشَّاعر هو الضَّحية، فإن كتب كما يكتب أبو تمام، اتُّهم بأنَّهُ شاعرٌ غامض. وإن كتب بتسطيح، جُرِّدت منه الشاعرية، فأين الخلل؟
من يسحب من؟ هل الشَّاعر يرتفع بالقارئ إلى مستوى النَّص؟ أم على الشَّاعر أن ينزل إلى مستوى القارئ الفكري؟
الشَّاعر الحقيقي يقضي نصف عمره يطوِّر أدواتهُ الشِّعرية؛ لذا فإنَّهُ في نهايةِ الأمر سيصل إلى مستوى ثقافي معيَّن وكبير، من الصَّعب عليهِ أن يتنازلَ عن هذا المستوى ليكتب بثقافةٍ متواضعة لقارئٍ ما!المجتمعات تتطوَّر وتزداد حضارةً فعلى القارئ أن يتطوَّر فكريًا، فالحداثة الشِّعرية تفرضُ نفسها. فأنا كشاعر لا أريد أن أكتب كما كتبَ من سبقني ولا أريد أن أسطِّحَ المعنى لأدَّعي أنَّني شاعر العامة. ولا أريد أن يُقال عنِّي شاعرًا -فقط- لأنَّني أجيد الوزن والقافية. فالشَّاعر الحديث لهُ أدواتهُ التي يستخدمها من أجلِ التجديد، ليستطيع أن يخلقَ حالةً من الدَّهشةِ. والإنزياح الشعري في محاولة خلقِ تغيير لغوي وتغيير في مناطِ الصورة بالخروج عن المألوف، ليس غموضًا وابتعادًا عن القارئ بقدر أن يكون بصمةً خاصَّةً تُميِّزُ شاعرًا عن آخر.
إضافةً إلى أنَّ الغموضَ من أساسيات الشِّعر، ومطلب أساسي. نظرًا لجاذبيتهِ الشديدة لدى القارئ. بشرط أن لا تتحول أبياته وكلماته إلى طلاسم. فنحنُ نبحث عن التوازن.. أليس كذلك؟
أدونيس عندما بدأ يكتب لم يقصد أبدًا أن يكتب للطبقة المثقفة أو النخبة كما يقولون. كان فقط يكتب. القرَّاء والنقاد هم من قاموا بتصنيفهِ. ومع ذلك، أستمتعُ عندما أقرأ لهُ. بالرَّغمِ من عدم فهمي لبعضِ قصائدهِ، ولكن لا يشترط أن أكون من النخبةِ أو الطبقة الارستقراطية المثقفة لأقرأ لهُ. وجهلي بنصوصهِ ليس عيبًا بهِ بكلِّ الأحوال، فأنا أشاركهُ بهذا العيب أيضًا.
وكما قال أدونيس:"فتنة الشِّعر تقودنا إلى فتنةِ الأسئلة".
ولنتذكر جميعًا قول أبو تمام عندما سُئل:
لماذا لا تكتب شيئًا نفهمه؟
فأجاب ولماذا لا تفهمون ما يكتب؟
الحديث عن القارئ والشَّاعر والغموض الشِّعري حديثٌ طويل.
أتمنَّى -في هذه العجالة- أن تكون فكرتي واضحة. فأنا لا أستطيع أن لا أهتم بالقارئ، وإلاَّ لماذا أكتب؟
أنا فقط، لا أتخيَّل قارئًا معينًا ذو ثقافة محدَّدة لأكتب لهُ. أنا فقط أكتب. وعلى القارئ مهما كانت ثقافته ومهما كان عمره البيولوجي، أن يُفسِّرَ النَّص بطريقتهِ كما يريد.


غربهـ
31 ديسمبر, 2009
هل هناك اجابات قاطعة لكل الأسئلة؟؟
هل من المعقول..أن يصل المعنى للمتلقى كما أراد “الشاعر” تماما أن يصل؟!
لا أظن..
لذلك كثيرا في لقاءات..أستمع لبعض الشعراء أو الأدباء يتحدثوا أنهم يحبوا ان يستمعوا لنقد نتاجهم وتحليله..
لأنه “يفتح” أمامهم..أبواب لم يطرقوها أصلا!
عنّي كقارئة..لا أحاول أن ابحث عن الاجابات في النص..أو أكرر القراءة والبحث لأفهم..
أفهمه كما يصلني.. ومن أول قراءة..ودائما ما أتخيل انها تصف حالة مررت بها..
لذلك أعيشها أكثر..
حسنا قد لا أكون قارئة مثالية “لغموض” الشاعر..
لكنّي بالتأكيد عاشقة ومتذوقة للشعر..
م. محمود قحطان
3 يناير, 2010
@ غربهـ،
لا توجد إجابات قاطعة.
.
.
من الصعبِ أن يصلَ المعنى للمتلقي كما أرادَ الشَّاعر؛ بسببِ اختلافِ نوعيةِ المُتلقِّي.
.
.
فعلًا، لكلِّ ناقد أدواتهُ؛ لذا لكلِّ منهم قراءة خاصَّة للقصيدة. ولأنَّ الشَّاعر لا يكتب وفقَ مُعادلاتٍ أو خطواتٍ محدَّدة، هو فقط يكتب، فإنَّهُ يكتشف أفاقًا جديدة للمعنى، ربَّما لم يكن يقصدها.
.
.
هي طريقتكِ.
.
.
أؤكِّد أنَّكِ عاشقة ومتذوقة للشِّعر.
.
.
شُكرًا لكِ.